الشريف الرضي

170

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

لهم دليلا على دخولهم ، فترك ذكر الدخول لما في الكلام من الدلالة عليه . وقد يسقط من القرآن كلم وحروف ، ويدل فحوى الخطاب عليها اختصارا وحذفا ، وإبعادا في مذاهب البلاغة ، وإغراقا في منازع الفصاحة ، ولان فيما يبقى أدلة على ما يلقى ، إذ كانت البلاغة عند أهل اللسان لمحة دالة ، وإشارة مقنعة ، ولا يجوز أن تزاد فيه الكلم والحروف التي ليس فيها زيادة معان أو أدلة على معان ، على ما قدمناه من كلامنا في هذا المعنى ، لان ذلك من قبيل العي والفهاهة ، كما أن الأول من دلائل الاقتدار والفصاحة . وفي القرآن موضعان آخران جاءت فيهما هذه الواو التي قدر أنها مزيدة ، ما رأيت أحدا ينبه عليهما ، وإنما عثرت انا بهما عند الدرس ، لان العادة جرت بي في التلاوة أن أتدبر غرائب القرآن وعجائبه وخفاياه وغوامضه ، فلا أزال أعثر فيه بغريبه ، وأطلع على عجيبه ، وأثير منه سرا لطيفا ، واطلع خبيا طريفا وأحد الموضعين المذكورين ، في السورة التي يذكر فيها يوسف ( ع ) ، وذلك قوله تعالى : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون 15 ) فلم يرد بعد ( فلما ) خبر لها ، وهذا مثل الآية التي في الزمر سواء ، إلا أن تلك تداول الناس الاستشهاد في هذا الموضع بها ، وهذه خفيت عنهم فترك ذكرها ، وتأويل هذه كتأويل تلك لا خلاف بينهما ، لان في قوله تعالى : ( وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ) دليلا على جعله فيه ، بقوة العزم